كلمة وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السيد السعيد سعيود بمناسبة افتتاح الملتقى الوطني حول الهوية الرقمية
يسعدني أن أرحب بكم اليوم في افتتاح هذا الملتقى الوطني الموسوم بـ: "الإدارة في مواجهة تحدي الهوية الرقمية بين الرهان الخدماتي ومتطلبات الحماية الرقمية".
إن اختيار هذا الموضوع يأتي في سياق التوجه الذي أرساه السيد رئيس الجمهورية، من خلال تعليماته وتوجيهاته الرامية إلى تسريع مسار التحول الرقمي، وتحديث أساليب عمل الإدارة، والارتقاء بجودة الخدمة العمومية، بما يجعل الرقمنة رافعة حقيقية لعصرنة الدولة والاستجابة لتطلعات المواطن.
فقد بات واضحاً أن التحول الرقمي لم يعد مجرد مسار تقني أو خياراً لتحديث أدوات الإدارة، وإنما أصبح خياراً استراتيجياً وسيادياً، وأحد المداخل الأساسية لبناء دولة عصرية، أكثر كفاءة وفعالية، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح الرقمنة لا يقاس برقمنة الإجراءات فقط، وإنما يقاس بما تحدثه من أثر ملموس في حياة المواطن، وبما تعززه من ثقته في مؤسسات الدولة، وما توفره من عدالة في الولوج إلى الخدمة العمومية، وشفافية في المعاملة، وسرعة وفعالية في الأداء.
فالغاية التي ننشدها ليست إدارة أكثر رقمية فحسب، وإنما إدارة أكثر قرباً من المواطن، وأكثر كفاءة وشفافية، وأكثر قدرة على حماية حقوقه ومعطياته وهويته.
ومن هنا تبرز الهوية الرقمية باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لهذا التحول؛ فهي ليست مجرد وسيلة تقنية لإثبات شخصية المواطن في الفضاء الرقمي، بل أصبحت مكوناً من مكونات العلاقة الجديدة بين المواطن والدولة، وعنصراً حاسماً في بناء الثقة داخل البيئة الرقمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة في السياق الدولي الراهن، حيث أُقر 16 سبتمبر يوماً عالمياً للهوية، تأكيداً على أن الهوية ليست مجرد وسيلة لإثبات الشخصية، بل هي المدخل الأساسي للاستفادة من الحقوق والخدمات العمومية.
ومع تسارع التحول الرقمي، أصبحت الهوية الرقمية ركيزة أساسية لتقديم الخدمات العمومية عن بعد، بما يضمن سرعة الولوج إليها، ويعزز أمن المعاملات، ويحسن جودة الخدمة، مع ضرورة حماية البيانات وضمان موثوقية الهوية الرقمية.
كما أن سلامة الهوية ودقة بياناتها تمثلان شرطاً لضمان وصول المواطن إلى مختلف الخدمات، وتسهيل معاملاته مع الإدارة، وتعزيز كفاءة وموثوقية المرفق العمومي.
وهنا تحديداً يطرح هذا الملتقى إشكالية جوهرية تتجاوز بعدها التقني: كيف نمضي قدماً في رقمنة خدماتنا العمومية وتبسيطها وجعلها أكثر سهولة ونجاعة، دون أن نغفل في الوقت ذاته عن حماية الهوية الرقمية للمواطن، وتأمين معطياته، وصون سيادتنا الرقمية؟
ومن هذا المنظور، فإن مسؤوليتنا اليوم تتمثل في صناعة نموذج وطني متكامل للتحول الرقمي، يقوم على التوازن بين الابتكار والأمن، وبين الانفتاح والسيادة، وبين متطلبات النجاعة الخدماتية وضرورات حماية المواطن والدولة.
يندرج لقاؤنا اليوم ضمن مسار وطني متكامل، تتضافر في إطاره جهود مختلف القطاعات والهيئات، كل في حدود اختصاصه ومسؤولياته، وذلك بالتنسيق المستمر مع المحافظة السامية للرقمنة، وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للرقمنة باعتبارها المرجع الذي يؤطر هذا المسار ويوجه مراحله، نحو بناء إدارة رقمية متكاملة ومترابطة وفعالة.
وفي صميم هذا المسار، تضطلع وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل بمسؤولية محورية، بصفتها ضامنة للهوية، وبالنظر إلى الدور الذي تؤديه في مجال تكريس الهوية القانونية للمواطن، لاسيما من خلال منظومة الحالة المدنية، وإصدار وثائق الهوية والتنقل، والإشراف على الجماعات المحلية، وهي منظومات تمثل في جوهرها القاعدة التي تستند إليها الهوية الرقمية، والأساس الذي تُبنى عليه موثوقية المعاملات والخدمات في الفضاء الرقمي.
إن الثقة هي رأسمال كل إدارة رقمية؛ وهي لا تمنح بقرار، ولا تكتسب بشعار، وإنما تُبنى بالضمانات، وتترسخ بمدى قدرة الإدارة على حماية المواطن وصون حقوقه في الفضاء الرقمي.
ومن هنا، فإن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتأمين الأنظمة المعلوماتية المرتبطة بالهوية الرقمية، ومواكبة المخاطر المتنامية التي تفرضها التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي في الفضاء الرقمي، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد متطلبات تقنية، وإنما باعتبارها التزاماً مؤسسياً تجاه كل مواطن، وأحد المقومات الأساسية لترسيخ الثقة في الإدارة والدولة، وضمان فضاء رقمي آمن وموثوق.
إن هذا الالتزام يتطلب تنسيقاً وثيقاً، وتكاملاً في الأدوار، وتوحيداً للرؤى والمعايير، واستثماراً مستداماً في الكفاءات الوطنية والموارد البشرية التي تسهر على نجاح التحول الرقمي على المستوى المحلي والمركزي.
ومن هذا المنطلق، فإن حرصنا على جمع مختلف القطاعات والهيئات، وإشراك الجماعات المحلية وممثلي البلديات في هذا الملتقى، نابع من إيمان راسخ بأن بناء منظومة متكاملة للهوية الرقمية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال رؤية مشتركة، وتنسيق وثيق، وتكامل في الأدوار والمسؤوليات على مختلف المستويات.
أملنا أن يشكل هذا الملتقى فضاءً لتبادل الخبرات والتجارب والرؤى، وتعميق النقاش حول مختلف الأبعاد المرتبطة بالهوية الرقمية، وبلورة توصيات عملية قابلة للتنفيذ، من شأنها أن تسهم في جعل الهوية الرقمية رافعة للثقة، والخدمة العمومية الرقمية أداة للتنمية، والأمن الرقمي ركناً من أركان السيادة الوطنية.
وإنني على يقين بأن ما سيطرح خلال هذه الأشغال، من خبرات وتجارب ومقاربات، سيثري هذه الورشات الوطنية، ويفضي إلى توصيات عملية وواقعية قابلة للتجسيد، تخدم مسار عصرنة إدارتنا، وتعزز كفاءتها، وتكرس في المقام الأول ثقة المواطن فيها.
وعليه، أعلن رسمياً عن افتتاح أشغال هذا الملتقى، متمنياً لأعماله كامل النجاح والتوفيق، وأن تُكلّل مداولاته وتوصياته بالنتائج المرجوة، بما يسهم في تعزيز الرؤية الوطنية الرامية إلى بناء إدارة عصرية رقمية فعالة وآمنة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.